الشيخ عبد الغني النابلسي
40
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
به البقاء . وبيان ذلك أن كل شيء موجود من العدم باسم من أسماء اللّه تعالى ، مشتق من صفة من صفاته ، فالاسم باطن الشيء والشيء ظاهر الاسم ، كما أن الصفة باطن الاسم والاسم ظاهر الصفة ، والذات باطن الصفة والصفة ظاهر الذات ، وكل شيء باق إلى أمده المعلوم بتكرار الأمثال غير ذلك لا يكون . قال تعالى في الآية السابقة : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 ) [ القمر : 50 ] وكل شيء قائم بأمر اللّه تعالى ، فكل شيء كلمح بالبصر ، وتكرار وجود الشيء زيادة على وجوده الأول . واللّه تعالى يقول : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] . والشكر : هو الحمد الاصطلاحي ، فبالبسملة ظهر الوجود وبالحمدلة بقي كل موجود . ( منزل ) بسكون النون وكسر الزاي اسم فاعل من أنزل قال تعالى : الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ [ الكهف : 1 ] أو بفتح النون والتشديد للزاي مكسورة من نزل مشددا . قال تعالى : وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [ الإسراء : 106 ] ، والإنزال غير التنزيل لاختلاف الصيغتين ، فصيغة أنزل تقتضي مطلق الانتقال من موضع إلى آخر ، وصيغة نزل بالتشديد تقتضي المبالغة في ذلك ، وكلاهما فعلان متعديان . ( الحكم ) جمع حكمة وهي العلم المتقن الكاشف عن حقائق الأشياء على ما هي عليه من غير شائبة توهم في الإدراك . قال تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [ البقرة : 269 ] ، وقد تطلق الحكمة على النبوة ، كما قال تعالى في داود عليه السلام : وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ [ ص : 20 ] . ومعنى الإنزال والتنزيل المذكورين هو معنى الإيتاء هنا ، والثلاثة تقتضي انتقالا من موضع إلى آخر إلا أن الأوّلين للانتقال من علو فقط دون الثالث ، وانتقال العلم القديم من ذات الحق تعالى إلى غيره ممتنع عقلا ونقلا ، وكذلك الكلام القديم ، فلا بد لذلك من معنى يدخل في الإمكان ، وذلك أن علم الحق تعالى وكلامه وإن تعلقا بجميع الواجبات والمستحيلات والجائزات كما تقرر في موضعه ولكن لا بد أن نقول إن هذا التعلق بالنسبة إلى عقولنا التي نحن مكلفون بسببها ، إذ الواجبات التي نقول إنهما متعلقان بها مجرد معان مفهومة لنا حادثة فينا ، وكذلك المستحيلات مجرد أمور مفروضة يحكم العقل بامتناعها في حقه تعالى ، وكذلك الجائزات فأخرجنا في تقسيم الحكم العقلي إلى الأقسام الثلاثة عن المعاني الجائزة فأين الواجبات وأين المستحيلات من محض الجائزات ، إلا أن التكليف الإلهي للعباد يقتضي هذا التقسيم ، ولولاه لما كان في الخلق كفر ولا إيمان جملة واحدة ، إذ لم يقع جحود الجاحدين إلا على ما تصوّروه ، فكذلك إيمانهم ، وكل ما تصوّره